الحركة الوطنية للبناء والتنمية

المجتمع أولاً

التجاني الذي فقدناه

بقلم زهير هاشم طه

ما كاد يوم الخميس السابع عشر من سبتمبر يودعنا إلا وكنا موعودين بأمر وأقسى وداع، ألا وهو رحيل عالم السياسة ومفكرها الأستاذ الدكتور التجاني عبد القادر حامد، الذي رحل والبلاد أحوج ما تكون إلى علمه وفكره، وموت العلماء مصيبة وفقدهم لا يعوض.

ولد الراحل المقيم في بداية الخمسينات من القرن المنصرم في مدينة أم روابة الكردفانية، ثم التحق بكلية الآداب قسم الفلسفة، وكان من حسن حظه أنه تشربها في بداية رحلته المعرفية، إذ شكلت له أساسا معرفيا متينا، ورتبت أفكاره وصقلت رؤاه الفكرية.

في جامعة الخرطوم كان الراحل من ألمع نجوم الاتجاه الإسلامي، الأمر الذي أهله لرئاسة اتحاد الطلاب بالجامعة، وكان المنبر النقابي رأس الرمح في معارضة نظام مايو، مما عرض التجاني للاعتقال في سجن دبك، لكن سنين السجن كانت مدرسة يوسفية، وخلوة بعدها جلوة.

خرج الراحل من ضيق السجون إلى رحاب ساحة النشاط بالجامعة بعد المصالحة الوطنية ١٩٧٧م، فقال يومها قولته الشهيرة: “الآن عادت الحرية إلى الجامعة، فمن أراد أن يعلق ورقة في النشاط فليفعل، ومن أراد أن يعلق قميصه في النشاط فليفعل”.

وحكى لي أحد قدامى خريجي جامعة الخرطوم من كلية الزراعة أن محاضرهم في الجامعة كان يعتذر لهم عن تأخره في المحاضرة لأنه كان في ركن الأستاذ التجاني عبد القادر، مما يدل على سعة علمه في تلك المرحلة المبكرة من حياته، حتى انجذب إلى حديثه أستاذ جامعي مرموق!

بعد التخرج نال الراحل درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة في العام ١٩٨٤م عبر أطروحته “أصول الفكر السياسي في القرآن المكي”، والتي طبعها في كتاب قيم يكتب بماء الذهب، صنف من مئة كتاب في الفكر الإسلامي في القرن العشرين.

ثم واصل الراحل مسيرته في الطلب العالي، فنال درجة الدكتوراة من جامعة لندن في العلوم السياسية في العام ١٩٨٩م، مما أهله لرئاسة إدارة التأصيل بوزارة التعليم العالي بعد الإنقاذ، التي لم يمنعه انتماؤه لها من انتقادها مر النقد عندما حادت عن الطريق.

وقد حدته صفة الأمانة العلمية التي تشربها إلى كتابة سلسلة مقالات ناقدة للإنقاذ نشرتها صحيفة الصحافة في العام ٢٠٠٧م بعنوان “مقالات في النقد والإصلاح”، وصف الإنقاذ حينها بتحالف الأمن والقبيلة والسوق، ولو كان في قادة الإنقاذ أذن واعية تسمع ما قال التجاني، أو كانت لهم عين ذو بصيرة تقرأ ما كتب، لكانوا وكانت البلاد في غنى مما حدث في ديسمبر وما بعده.

بعد التغيير في أبريل ٢٠١٩م، أذكر أني قرأت مقالا للراحل يحذر فيه من ظاهرة حميدتي، ويتهمه باتخاذ القبيلة كرافعة للوصول إلى السلطة، ومن ثم ابتلاع الدولة. كان التجاني يقول ذلك في الوقت الذي كان فيه المطبلون لحميدتي يرفعون صوره في ميدان الاعتصام! وكانت تفتح له أبواب الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يدخل من أيها شاء، وللأسف وقع ما تنبأ به التجاني كفلق الصبح، وهذا قدر المفكرين والفلاسفة دائما، يسبقون الناس بوعيهم، وكثيرا ما يصدق فيهم قول الشاعر:

ستسمع سوف إذ ناديت حيا

ولكن أنت تنفخ في رماد

ونارا لو نفخت بها أضاءت

ولكن أنت تنفخ في رماد

فلو كان المجلس العسكري والحرية والتغيير يقرؤون ما يكتب التجاني، لما تمرد الدعم السريع، ولما نزح الناس من ديارهم بالملايين.

في أثناء الحرب الأخيرة “معركة الكرامة الوطنية”، كان الراحل يواكبها بمقالات يشرح فيها الواقع ويحلله، ويحاول أن يعطي إضاءات لطريق المستقبل، فليت متخذي القرار في بلادي يجعلون هذه الكتابات موضع عنايتهم، مستفيدين من دروس التجاني التي ألقاها في الإنقاذ وديسمبر.

برحيل التجاني لا شك أننا نفقد عالما عاملا ومثقفا عضويا، كان من القلائل الذين اتسقت أفكارهم الفلسفية مع مواقفهم السياسية، في زمن السقوط الحر للمثقفين، الذي انتهى الحال ببعضهم أن أصبحوا عرضحالين للدعم السريع وما يسمى بحكومة تأسيس، وهي في حقيقتها حكومة إبليس.

ستظل كتابات التجاني عبد القادر حامد مشعلا يضيء للوطن الطريق، ونبراسا منيرا في ليالي العتمة، وسيكون لكتبه مكانتها الرفيعة في المكتبتين الإسلامية والسودانية، فالله أسأل أن تكون له صدقة جارية، وعلما ينتفع به بعد الموت.

Leave a Comment