مشكلة الفقر: مقدمات في أصول الاقتصاد السياسي في الإسلام

مشكلة الفقر: مقدمات في أصول الاقتصاد السياسي في الإسلام

للبروفيسير التجاني عبدالقادر حامد

رحمة الله عليه

د. شيماء عمار حامد

عضو الحركة الوطنية للبناء والتنمية

• ظاهرة الفقر من الظواهر القديمة والمألوفة في التاريخ الإنساني، وليست من الظواهر التي تختص بها أمة دون غيرها، وهي ناتجة من مبدأ الصراع، وتم تفسيرها بواسطة علماء الاجتماع الغربيين عدة تفسيرات.

ارتبطت ظاهرة الفقر أولاً بظاهرة الحيازة الخاصة للأرض وإخلاء المواطنين قسراً من أراضيهم (نقل الأراضي من الملكية الثابتة للمجتمع لملكية الأفراد)، ثم قام الثوار مطالبين برجوع ملكية الأرض، كونها وظيفة اجتماعية وليست مصدر ثراء فردي. وفشلت محاولتهم، ثم ادعى التجار والملاك أن حق التملك ثابت وسابق لوجود الدولة، ولا تستطيع الدولة نزع ملكية أحد دون موافقته، فصار نتيجة ذلك أن الملاك الأحرار هم وحدهم من شكلوا الجسم السياسي في المجتمع، وصار لحق التملك مقبولية في الأوساط السياسية والاقتصادية والدينية، وأشبعت أوروبا بالفردانية.

ثم ظهرت حالات الفقر وسقوط بعض الأفراد إلى ما دون الحد الأدنى للعيش الكريم المقبول اجتماعياً، وانعدام الحاجات الحياتية أو الحرمان منها لدرجة قد تهدد البقاء. وأصبح حد الفقر متحركاً حسب تطلعات الفقراء واستعداد الأغنياء للتنازل، وهنا وجدت نظرية المنفعة (جوهر الإنسان عبارة عن رغبات) القائمة على مفهوم زيادة الاستهلاك ومفهوم التنافس المطلق، وظهرت الدعوى لترك الشؤون الاقتصادية لليد الخفية للسوق وترك الأمر لاختيارات المستهلكين.

حتى كشف الاشتراكيون عن خطأ الاقتصاد الجزئي المستند على أن الإنسان لا يحمل في جوهره إلا الشهوات، وهي غير مفيدة لأنها، ولو افترضنا صحتها، فهي رغبات لا منتهية، وظهر مفهوم الاقتصاد الكلي، حيث تم التخلي عن مبدأ اللاتدخل، وأن الدولة لابد أن تتدخل في اقتصاد السوق في حالة اختلال توازن العمالة والأسعار، وذلك كما فعل كارل ماركس، حيث أضاف محتوى فلسفياً جديداً بإدانته لقطاع المنتجين وتحليله لعناصر الإنتاج (رأس المال والعمل)، والذي توصل لنظرية فائض القيمة، مستنتجاً أن الفقر ينتج من ديناميكية نمط الإنتاج الرأسمالي، حتى انتقلوا لنظرية أرسطو باعتبار أن الإنسان كائن فاعل ومبدع وذو خصائص متميزة، وهنا ظهر اتجاه جديد في الاقتصاد، والذي يهتم بالقدرات الإنسانية الطبيعية.

كلها نظريات قائمة على افتراض الإنسان كحزمة رغبات وبمادية الإنسان، فلذلك لا يملكون الحق في الرجوع للمعيار الأخلاقي، كما واجهت تفسيراتهم عدة مشاكل.

• تظهر الرؤية الإسلامية بتفسيرها لظاهرة الفقر اعتماداً على المدخل السوسيولوجي الذي يرفض الاستسلام الكامل لمنهج اقتصاد السوق الجامد، ولكن يتميز عنه في رفض الميتافيزيقا. ففي النظرية الإسلامية لا تنفصل العقيدة عن السوسيولوجيا في وجود مجتمع التآخي المستمد من الخضوع المشترك للإله الواحد والسعي المشترك. فتفسر ظاهرة الفقر باعتبارها مشكلة مجتمعية، وتطرح الحلول للتخلص من الأسباب المؤدية لفقر الأفراد كنظام الملكية وأسباب العجز والإحصار، كما تفسر مشكلة الفقر الدولي وتطرح حلولاً له.

• فالقرآن الكريم ذكر أن المجتمع الإسلامي يتعرض لنوعين من الفقر: فقر العجز ويسمى المسكنة، وفقر الإتباع، وذلك يلزم المجاهدين لإقامة الدين وتمكينه، وكلاهما ناتج عن الإحصار في الأرض، سواء كان إحصاراً طبيعياً أو إحصاراً اجتماعياً يوجب النفقة. فكلمة فقير لا تدل فقط على الحالة الاقتصادية، بل وردت بحيث تدل على ناحية اعتقادية قد تترتب عليها نتائج اقتصادية سيئة وقد لا تترتب، ولكنها تستوجب على كل حال أن يقسم لصاحبها زكاة، ولذلك شرع الله الزكاة لتكون ركناً من أركان الإسلام، وتمثل الدعامة الاقتصادية التي يرتكز عليها المجاهدون لإقامة النظام الإسلامي وتوطيد بقية أركانه، فالوظيفة الكبرى للزكاة هي الإسهام في إقامة النظام الإسلامي والدفاع عنه، فضلاً عن تقريب الفوارق بين الفقراء والأغنياء، فالزكاة أداة من أدوات التحرير ووسيلة من وسائل رفع القهر الذي توقعه الطبيعة أو الحاجة على الإنسان، فما من فئة استحقت نصيباً في الزكاة إلا كان الإحصار بمعنى من معانيه واحداً من أسباب الاستحقاق.

• كما سخر الله الأرض للإنسان، فهي أداة مبذولة ومباحة له، وهي الأداة الضرورية للوجود وللمعاش الإنساني. وملكية الأرض منسوبة لله تعالى والتدبير فيه للإمام، وملكية الأفراد تكون من خلال الإنابة والوكالة، وهي مسخرة لأي إنسان للضرب فيها وليستخلص معاشه منها.

والزكاة هي حق فُرض للمجتمع على الفرد فيما يمتلكه، يدفعها عن أرضه وعن بدنه “العمل”، حيث لا تخرج الأشياء من حيز الملكية الجماعية إلا بالعمل، والعمل الذي يقوم به البدن ليس ملكاً خالصاً للإنسان العامل، وإنما لله حق فيه، ولذلك يدفع الفرد للمجتمع عوضاً عن تملكه الأرض وعن عمله، وذلك ما يخص الإسلام ويميزه عن الفكر الليبرالي الذي يقرر أن الذي يخرج الأشياء الطبيعية من ملكية المجتمع إلى ملكية الفرد هو العمل، وأن لكل إنسان ملكية خاصة ولا يجوز لشخص أن ينازعه في ملكيته.

• كما اهتمت الشريعة بالمجتمع وسعت إلى تحرير الأفراد من العبودية والرق، وتعيد ربطهم بالأرض، وذلك بحظر كل صيغ المعاملات الفاسدة في الأرض والمال، وجعلت جميع المعاملات الاقتصادية في الإسلام لا يقصد بها أرباح المالكين بقدر ما يقصد منها توسيع القاعدة الاجتماعية المالكة، بإفساح المجال للفئة التي لا تملك إلا أبدانها لتمتلك أرضاً ومالاً. وبذلك يكون كل من صاحب العمل وصاحب المال شريكين في الأنشطة التنموية الاستثمارية، وبذلك نتخلص من فخ الرأسمالية، وذلك بجانب الصدقة ليخلو المجتمع من الفقر.

وبخلاف الزكاة، اهتمت الشريعة بإيجاد آليات مساعدة لحل مشكلة الفقر، بإدراج الفئات التي لها المقدرة على العمل في الدورة الاقتصادية بإعطائها أدوات إنتاج وقدراً قليلاً من المال، وبإلحاق الفئة التي ليست لها قدرة على العمل بالإدارة المالية للعبادات الخالصة (العوض أو الكفارة المترتبة من الأداء المنتقص أو المخالف للشريعة).

والفقر ظاهرة مجتمعية، وقد تصيب دولة كاملة وليس أفراداً فقط، والحلول التي تقدمها الرؤية الإسلامية لا تتحقق إلا في وجود دولة إسلامية.

• وقد تكون أسباب الفقر راجعة لعوامل تتعلق بالتجارة الدولية كمسائل النقل البحري والجوي والوقود والتكنولوجيا والصناعات، أو قد يكون الاستعمار الذي يتبعه نهب الثروات وإلحاق هياكل الدولة الاقتصادية بالهياكل الاقتصادية للدول الإمبريالية، فيتم توجيه الدول المستعمرة نحو التصدير الاستنزافي للموارد الأولية واستيراد المتصاعد من المصانع الأوروبية، لتصبح الدولة مجرد مستنقع تقذف فيه مشاكل البطالة والتضخم التي يفرزها اقتصاد الدول الاستعمارية، حتى وإن صحب ذلك بعض المعونات الظاهرية للتخفيف من الآثار الجانبية لعملية الدمج.

لذلك يجب على المسلمين أن ينأوا عن الاندماج الهيكلي في اقتصاديات أهل الكفر، وأن يشدوا في إقامة الدولة الإسلامية. فالدولة لا الفرد هي التي يمكن أن تتصدى لعملية الإفقار الدولي، وأن يسعوا نحو تحقيق النمو الاقتصادي عن طريق الاستقلال والاكتفاء الذاتي ما أمكن ذلك، وبذلك يتم تفادي مشكلة الإحصار الاقتصادي والمحق والفقر الذي يصدر إليه من خارجه أو يفرض عليه فرضاً.

• برغم ما أسبق من التعاملات مع ذوي الحوجة، إلا أن النفسية التي تغلب عليهم هي التعفف وليس التلهف للأخذ والسعي وراء الإشباع، مما جعل الصورة المقابلة هي صورة البذل والعطاء، ومجتمع مثل ذلك سيكون من المستغرب أن يبقى فيه جائع لا يجد حق الطعام أو مريض لا يجد حق الدواء. لذلك كانت سمة المجتمع المسلم التكافل، لكي تتحقق نظرية الإسلام الاجتماعية، حيث لا تكتمل نهضة الأنا الروحية الاقتصادية إلا في وجود ومشاركة الآخر.

إن الإسلام لا يعالج الفقر بالعطاء، بل يعمل على إيجاد سيكولوجية اجتماعية خاصة تكون واحدة من الآليات التي تجعل أفراد المجتمع يتعففون من الأخذ ويتسارعون نحو العطاء، وهي مرتبطة بالعقيدة الدينية التي تجعل المؤمن ينفق في الدنيا من أجل الآخرة