قراءة في محتملات ما بعد حراك ديسمبر 2018م

مقدمة

هذه قراءة للواقع السياسي الداخلي في السودان مع بعض التعريج على التداخلات الدولية المحتملة على ضوء الحراك الأخير الذي ابتدأ في ديسمبر 2018م، في محاولة لتشخيص مختصر لأزمة الحكم ثم حصر المحتملات والخيارات المتاحة أمام القوى المختلفة من القابضين على السلطة مروراً على القوى الإسلامية والأحزاب التقليدية والقوى العلمانية والحركات المسلحة والقوى الثورية المدنية والمجتمع الدولي، انتهاءً بعامة المجتمع السوداني، وتلمساً للموقف الأصح والحل الأنجع لأزمة البلاد الراهنة.

أزمة الحكم

برزت أزمة الحكم في السودان مع بدايات تسلم النخب الوطنية لمقاليد إدارة البلاد، فضلاً عن اندلاع الحرب في جنوبي السودان قبيل الاستقلال. كانت الخلافات الحزبية وهشاشة الرؤى السياسية وضعف الأداء الحكومي سمة غالبة تؤدي لتدخل القوات المسلحة – بإرادات متعددة منها ما هو مدفوع بولاءات حزبية وفكرية، وأخرى داخلية خاصة بالجيش – لفض الساحة السياسية والتمكن من الحكم. هذه القوة وإن كانت قد أحدثت إنجازات تنموية في أوقات مختلفة إلا أن رؤاها السياسية ومعالجتها لقضايا السودان الأساس لم تكن بحال أفضل كثيراً من عهود التعددية السياسية.

إن الصراعات الفكرية والمواقف الإقصائية وضيق الأفق السياسي كانت عنواناً دائماً للحياة السياسية السودانية، منها ما هو نتاج اعتبار السياسة ساحة لبسط النفوذ الشخصي والتكسب، والدولة غنيمة لمن استطاع هزيمة الخصوم، ومنها ما هو نتاج الدرس السياسي الحداثي النفعي، الذي ينظر للسياسة كلعبة نفوذ ومكاسب تصغر عندها الاعتبارات الأخلاقية دون استيعاب لطبيعة المجتمع السوداني وتكوينه التقليدي. إن هذا يعني أن الثقافة السياسية والإمكانات الفكرية للنخب السودانية المتمكنة من السلطة فيها من الأعطاب ما يجعلنا بحاجة لمراجعة واسعة للبنى الفكرية والثقافية والنظم التعليمية المؤثرة فيها.

ما هي قضايا السودان الأساس التي ظلت القوى المختلفة تتفاوت أحياناً في معالجتها وتتساوى أحياناً أخرى في الإخفاق فيها؟ يمكننا إجمال بعضها في الآتي:

  1. الحريات العامة.
  2. التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
  3. الهوية الجامعة والتعددية الثقافية.
  4. الانتقال السلمي للسلطة.
  5. الدستور الدائم.
  6. طبيعة نظام الحكم المنسجم مع البنية الاجتماعية والثقافية.
  7. قضايا الحرب والسلام.

بالتالي ظل السودان يلازم مكانه ويتقهقر أحياناً كثيرة بفعل:

  1. الاستبداد السياسي.
  2. الفساد وضعف التخطيط الاقتصادي وتردي ثقافة العمل والإنتاج.
  3. الظلم الاجتماعي في توزيع الثروات.
  4. تشتت الهويات وضعف التمثيل الثقافي.
  5. الانتقال من نظام سياسي لآخر عنفاً سواء بالثورات أو الانقلابات العسكرية.
  6. ضياع هيبة الدستور وضعف التطور القانوني.
  7. استمرار الحروب وتجددها.
  8. تأخر الأحزاب السياسية في تجديد مؤسساتها وأفكارها ومواكبة مشكلات البلاد.

لقد ظلت العلاقة بين المجتمع السوداني والأنظمة السياسية المختلفة تتراوح بين التعبير المباشر عن إرادة الشعب – إلى حد ما – كما في الحقب الديمقراطية، وبين الفصال أو الاغتراب في حقب أخرى. هذا على صعيد الانسجام بين الفئة الحاكمة وعامة الشعب، إذ يعزز الاختيار الحر من قبل المحكومين للحكام من الصلة والألفة ويبعد الاستبداد والفساد الشقة بينهما.

هذا من جانب، أما من جانب آخر وإذا فحصنا نظام الدولة الحديثة بشكل عام فإننا نجده في تناقض كما ذكرنا مع طبيعة المجتمع السوداني التقليدية من حيث بنية النظام وفلسفة الحكم، بالتالي ظل السودانيون يعانون من الفئة الحاكمة اغتراباً ونفوراً تارة بفعل الاستبداد وتارة بفعل الأنظمة الحداثية التي فرضت هويتها على الناس.

لقد بات الإنسان السوداني لا يثق كثيراً في مؤسسات الدولة وعدليتها وضمان خدماتها، مما يجعل هذه المؤسسات وكأنها خصيم للشعب في أحيان كثيرة، ومؤخراً زادت هذه الشقة مع تنامي الاستبداد السياسي والفساد الجهير، فبات السودانيون وكأنهم قبيلة والحكام منهم قبيلة أخرى خصيمة. إن هشاشة الشعور بالانتماء للمؤسسات يفضي لهشاشة الشعور بالانتماء للدولة مما يجعل المنافحين عن كيان الدولة المؤسسي متواضعي الحماس والدوافع.

على ما سبق فإن فئة الإسلاميين التي كانت في يوم من الأيام نبضاً للشارع السوداني واختياراً حراً وأملاً شاخصاً لديه، والتي نظر إليها باعتبارها فكراً مغايراً وممارسة مختلفة عن خصومها السياسيين، باتت بوصولها للسلطة وتمرغها في مكاسبها وتماهيها مع طبيعة الدولة الحديثة من حيث العنف والإقصاء، فئة متهمة موسومة بالاستبداد والنفعية بلا فكاك، حيث غلب منطق الدولة على جميع الرؤى والشعارات المرفوعة، وإذا أضفنا افتتان الفئات التي ما تمرست على اختبار السلطة بحجم السلطة المطلقة وإشاعة المال العام بين أيديها فإننا بين يدي فئة بلغت من الفساد ما أنذر بضياع كيان الوطن كله.

إن الأزمات الاقتصادية وتفاقم الاستبداد وردات الفعل الشعبية على ذلك مؤخراً في سبتمبر 2013م، وديسمبر 2018م، وضعت البلاد وقواها المختلفة أمام جملة من المحتملات والخيارات نجملها في الآتي:

أولاً: نجاح الحراك بإسقاط النظام بالكامل أو إحداث تحولات مؤثرة فيه

قد يتصاعد الحراك الثوري وصولاً إلى الذروة، فيقابله النظام بالمصادمة فتزداد أعداد القتلى وتتسع رقعة معتقلي الرأي مما يؤدي لتدخل القوات المسلحة معلنة تنحية الرئيس ونظامه، ثم اتخاذ المسار السياسي المعلوم من تشكيل حكومة وحدة وطنية وصولاً للانتخابات العامة. وذلك يتطلب مستوى مناسباً من الحكمة والتوافق والإجماع الوطني من قبل الكيانات السياسية والعسكرية وقادة القوات المسلحة.

وقد يستجيب النظام للضغط فيقوم بتغييرات ذات أثر قد يكون من ضمنها تنحية القيادة من أجل أن يستمر جوهر النظام في السلطة، وعلى الرغم من ذلك فقد كسبت القوى المعارضة نقاطاً جديدة.

في احتمال إسقاط النظام بالكامل

إن سقوط النظام هو سقوط لحكومة الإسلاميين في نظر كثير من قطاعات الشعب السوداني والقوى الدولية، هذا يعني الملاحقة القضائية المحلية والدولية من قبل الخصوم، ومحاولة الاستئصال السياسي من المشهد، والتشهير بكياناتهم وشخوصهم، مما سيجعل قيام قائمة الحراك الإسلامي عامة (منسوبو المؤتمر الوطني والقوى الإسلامية التي شاركت في السلطة، والقوى الإسلامية الحركية وعامة الإسلاميين) عسيراً على الأقل على مدى سنوات منظورة. إن الأمر قد يمتد محاصراً حتى الكيانات الإسلامية التي لم تشارك في نظام المؤتمر الوطني، إلا أن فئة الإسلاميين قد تستغل احتمالية تشرذم القوى السياسية وتشاكسها أعقاب التغير، ثم ضيق عامة الشعب بهم لتعطل المصالح والملل من وطء الحياة الديمقراطية ولا جاهزية كثير من الأحزاب لممارسة السلطة، عندها قد ينتظم الإسلاميون ويقومون بإعادة طرح رؤاهم في قوالب جديدة قد تلقى التفافاً ما.

أما القوى التقليدية (أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي) فقد يمنحها سقوط النظام بعضاً من الانتعاش السياسي بفعل الحريات المكتسبة وبكونها القوى الحزبية ذات الجماهير الواسعة مقارنة بغالب القوى الأخرى، بالتأكيد ستصل إلى السلطة إذ إن كثيراً من السودانيين سيلتفون حولها رضاً بها أو باعتبارها أمراً واقعاً، ولكنها ستواجه بمشكلة طالما لاحقتها وهي هشاشة التوافق بين مراكزها، وضعف التأهيل لكوادرها وضعف أدائها الحكومي ومشكلة الحياة الديمقراطية التي قد لا يصبر عليها السودانيون مما يهدد السلطة الجديدة ويمهد الأوضاع لعودة متوقعة للكيان الإسلامي القديم بثوب جديد كما أسلفنا.

إن هذا الاحتمال لن يمثل بالضرورة نهاية قضايا الحركات المسلحة في أرجاء البلاد، إذ لهذه الحركات خلافات ليست قليلة شأناً مع القوى التقليدية التي قد تصل إلى السلطة بسقوط النظام، وكما كان الوضع بعد ثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل، فقد استمرت الحركة الشعبية في مقاتلة الحكومات الديمقراطية، إلا أن تجد هذه الحركات موطئ قدم معتبر في النظام السياسي الجديد عندها قد تتوقف رحى الحرب.

من جانب آخر تقف القوى العلمانية في موقف دقيق، إذ إن سقوط النظام قد يمثل فرصة لتنفس هذه القوى وممارستها العمل السياسي في ظل حريات عامة كانت تطالب بها، إلا أن هذه القوى سرعان ما ستواجه اختباراً لشعبيتها قد لا تتناسب نتائجه مع كونها الخصيم الأكثر تنافراً مع النظام القديم، فسقوط النظام قد لا يمثل طفرة كبيرة في نفوذ وتمدد هذه القوى، وربما بدأت تفقد حيوية خطابها شيئاً فشيئاً، فلن يكون أمامها سوى البحث عن حلفاء في القوى التقليدية لضمان بقائها على المشهد السياسي، أو الاستفادة من غبن قوى الهامش فتنتظم معها في تحالفات جامعة، إلا أن كل ذلك سيعتمد على مدى قدرة القوى العلمانية على صياغة خطاب سياسي متوازن وعلى مقدرتها في المناورة السياسية.

إن نجاح الهبة الشعبية يمثل نجاحاً كبيراً للقوى الثورية المدنية التي قادتها لا سيما الشبابية منها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة وفي غالب الأحيان أن هذه القوة قد يتواصل تأثيرها السياسي على مجمل الأوضاع، فستستأثر القوى الحزبية بنتائج الثورة وسيتلاشى عندها محركو الثورة.

بطبيعة الحال تسعى القوى الإقليمية والدولية لضمان بقاء مصالحها الجارية والسعي لتحقيق مصالحها غير المتحققة. حالياً تنقسم القوى الإقليمية في محورين: محور يحسب على الحركات الإسلامية؛ فلابد أنه سيسعى لتحسين وضع القوى الإسلامية الحركية في حال سقوط النظام أو إقدامه على إصلاحات واسعة، ستقف هذه القوى وراء حلفائها بالدعم المالي والسياسي بحيث لا تفقد هذه القوى مصالحها بالكلية في البلاد.

أما المحور الآخر فهو قد أعلن عداءه السافر لأي قوى إسلامية حركية في المنطقة، فلابد أن يكون سعيه منصباً على استئصال شأفة الإسلاميين من المشهد السياسي عاجلاً أو آجلاً، تمويلاً لخصومهم وتوفيراً للدعم السياسي الإقليمي الدولي، وسيكون لهذه القوى تأثير كبير بعد سقوط النظام حيث أجواء الحريات العامة وتراخي القبضة الأمنية والاستخباراتية، أي إن هذه القوى قد لا تتوانى في السيطرة على المشهد السياسي وإن كان ذلك عبر دعم انقلابات عسكرية محتملة توئد الديمقراطية الناشئة.

إن بعض هذه القوى يعمل بطبيعة الحال بالوكالة للقوى العظمى، بالتالي يمكننا فهم موقف تلك القوى عبرها، فربما نأت القوى العظمى عن التدخل المباشر في الشأن السوداني إلا من مواقف عامة، وقد يحدث أن يضعف نفوذ القوى الإقليمية فتضطر هذه القوى للتدخل المباشر الذي لن يخرج من إطار تحقيق مصالحها المعلومة في ضمان وصولها للموارد ووضع الحركات المتطرفة تحت السيطرة.

في احتمال إحداث تحولات مؤثرة

إن استجابة النظام الجزئية لمطالب الجماهير والمعارضة بإحداث تحولات مؤثرة فيه يفضي إلى أن يمد الإسلاميون من عمر سلطتهم ويبثوا نوعاً من الرضى في عامة الشعب، إلا أنهم قد أثبتوا على كل حال إمكانية تزحزحهم عن مواقفهم السياسية مما قد يغري أعداءهم لمزيد من الضغط لتقديم التنازلات.

أما القوى التقليدية والعلمانية فستكون الخاسر الأكبر بامتداد عمر النظام حال استجابته للضغط الجماهيري، إذ إن عمره يتزايد عكسياً مع تماسك هذه القوى وثقة الجماهير بها. أما القوى الثورية فإن إحداث النظام لتغييرات مؤثرة في قيادته سيمثل دافعاً قوياً لتواصل هذه القوى حراكها الجماهيري ومطالبها السياسية، وقد يمتد الحراك لتكوين أجسام سياسية جديدة، ولكن هذه النتيجة ليست حتمية، فربما استطاع النظام بإحداثه التغييرات أن يفك احتقان الشارع العام مما يضعف هذه القوى فتتنازعها الميولات الفكرية والحزبية.

ولابد من الإشارة إلى أن تطاول أمد النظام يقلل من فرص الحركات المسلحة في التأثير السياسي عامة، وبالتالي يضعف اعتماد القوى الدولية عليها كلاعب مؤثر. إن القوى الإقليمية والدولية ستواصل مواقفها الحالية من النظام في المحافظة على مصالحها.

ثانياً: إصلاح النظام لسياساته

قد يتواصل الحراك والضغط السياسي فيستجيب النظام فيسعى من جراء وعيه إلى حل الأزمة، والجلوس مع القوى السياسية من أجل الدخول في حوارات مفتوحة تضمن للسودان حفظ كيانه وعافية مجتمعه. وذلك قد يتأتى بوصول النظام لدرجة عالية من الوعي والبصيرة والإرادة من قبل القيادة المتنفذة في السلطة.

وفي هذه الحالة يكون الإسلاميون قد مدوا في آجال بقائهم في المشهد السياسي على الأقل إن لم يكن بقائهم في السلطة التالية، إذ إنه سيظهر كنظام راشد له القدرة على جمع الصف الوطني والوصول لحالة إجماع حول القضايا الأساسية، هذا بقدر الجدية ومساحة التغيير التي سيوفرها لخصومه السياسيين، ولكن قد تتجدد المشكلات بغض النظر عن القوى المسيطرة على الحكم وقتها، إذ إن البلاد في الأساس في حالة مشكلة اقتصادية مزمنة، والهبة الشعبية كانت ذات طابع معيشي سابق على السياسي.

وفي كل الأحوال فإن الطريق لذلك لن يكون ممهداً بالكامل، إذ إن القوى المعارضة ولا سيما التقليدية والعلمانية لها وللبلاد ككل، بالرغم من أن هذه الأوضاع تعد مكسباً، إلا أنها ستدخل في اختبارات سياسية عسيرة من حيث مقدرتها على التنظيم وصياغة السياسات العامة والمناورة والتوحد. وربما وضعت العراقيل أمام إحداث تحولات كهذه عن طريق المزايدة في المطالب السياسية.

أما القوى الثورية المدنية ستعتبر الإصلاح الذاتي مكسباً لها إلا أن تمثيلها في المجالس التفاوضية والتحاورية لن يكون بحجم التضحيات التي قدمتها لا سيما إن كان لها طموحاً سياسياً ما. وبالنظر إلى الحركات المسلحة ستحتفظ بمواقعها ومواقفها العسكرية والسياسية، ولن تتعاطى إلا بالشكل التفاوضي المعلوم، الذي سيكون التقدم فيه مرهوناً بإرادة القوى الدولية التي ستتفاعل مع الأوضاع بحسب مصالحها المعلومة.

ثالثاً: فشل الحراك وانهيار نظام الدولة أو انطفاء جذوة الاحتجاجات

قد يتصاعد الحراك الثوري وتزداد مواجهة النظام له بالقوى الباطشة حتى يكسر شوكة الاحتجاجات، ثم يبدأ في تلاعباته السياسية في محاولة لتغيير شكلي في السلطة، فيستمر قابضاً على مقاليد الحكم ومحملًا بجرائم إضافية، وربما يحتدم الحراك بصورة واسعة فيفقد النظام ما تبقى له من شرعية فتهتز سيطرته على الدولة فينقسم على نفسه فينهار النظام السياسي أو تتداخل قوة مسلحة مختلفة متقاتلة على السلطة فيما يمثل حرباً أهلية.

وقد تخبو جذوة الاحتجاجات لغياب القيادة الموحدة ولتطاول الزمن ولتقديم النظام لحلول اقتصادية مؤقتة، فيستمر في السلطة بلا تغييرات تذكر حتى الوصول لانتخابات 2020م.

في حال فشل الحراك وانهيار نظام الدولة

إن انهيار نظام الدولة هو خسران لجميع القوى السياسية، إذ إن سلطة الإسلاميين لا يمكنها الاستمرار على حالها وإن قمعت خصومها، فلابد أن تصل لحالة من الانقسام المفضي لوهن شديد في سياساتها وقبضتها على السلطة مما ينذر بانهيار كيان الدولة أو نشوب الفوضى فيه.

أما القوى المعارضة التقليدية والعلمانية فستعاني من عجز متواصل وفشل مستمر في محاولة إحداث أي نوع من الإصلاح، وسيترسخ عند عامة الناس أن الثورة على الأنظمة المستبدة لا يؤدي إلا بخراب عام مما ينسف كل خطاب للقوى الثورية، أما القوى المسلحة ستجد مساحة أكبر للتمدد ولكنها لن تكون جزءاً من حالة رشد متوقعة بل ستتحمس لحسم المسألة العسكرية مستقطبة دعم القوى الدولية، وهذا ينذر بامتداد الحروب لسنوات. إن القوى الدولية سترمي بثقلها على الأوضاع السودانية متصارعة للظفر بنصر عسكري وسيصبح السودان جزءاً أصيلاً من الصراع الدولي الناشب مسبقاً.

في حال انطفاء جذوة الاحتجاجات

أما إذا انطفأت جذوة الاحتجاجات تشتتاً أو بمعالجات مؤقتة من النظام، فإن الأمر لن يكون سوى عملية تخدير قصيرة المدى تتجدد بعدها الهبات الشعبية، هذا يعني أن وضع النظام لن يتغير فيه شيء بصورة جذرية، وسيتواصل تورط القوى الإسلامية في حالها المعقد المهدد المدان.

أما القوى السياسية التقليدية والعلمانية فستنتقل من ضعف إلى ضعف وستفقد ما تبقى لعامة الشعب من ثقة فيها، إلا تلك التي ترتبط بمصالح اقتصادية ومواقف غير مصادمة للنظام فستحافظ على كيانها نوعاً ما. وربما تنتقل الحركات المسلحة لمواقف أصلب أو تحافظ على جذريتها في التغيير الشامل الذي يشمل جميع مؤسسات الدولة، إلا أن الاحتمال الأكثر وروداً هو انتقالها من ضعف لضعف ومن غياب لأفق الحل إلى انسداد بيّن.

إن انطفاء جذوة الحراك سيبعث شعوراً بالفشل عند القوى الثورية، ولكن بقاء أس المشكلة الاقتصادية والسياسية سيبعث الأمل بإمكانية تجدد الحراك الثوري وتجدد دور القوى الثورية. أما القوى الإقليمية والدولية فستحافظ على مواقفها الحالية في الضغط على النظام لخدمة مصالحها.

ما ينبغي فعله من قبل القوى الراشدة

مهمة القوى الوطنية الراشدة تتطلب مجهوداً توافقياً ضخماً يتناسب وحجم المرحلة التي ستمر بها البلاد في حال سقوط النظام، وتتلخص في العمل الحثيث على الوحدة الوطنية وإيقاف الحرب كهدف استراتيجي، وأكثر إلحاحاً لما ستتعرض له البلاد من إمكانية انفلات أمني وفوضى متوقعة، بالتالي لابد من الحرص على تجاوز مشكلة الإقصاء السياسي على الخلفية الفكرية أو المنطلقات العقائدية.

أما في حال إقدام النظام على تغييرات في بنيته السلطوية فإن ما ينبغي التركيز عليه هو وضع الحريات العامة في ظل النظام الجديد ومدى وعيه بمسألة العدالة الاجتماعية، هذه المبادئ هي التي ستدفع بالقوى الراشدة نحو تشجيع هذه الإصلاحات والدعوة لتجذيرها أو اعتبارها تغييرات فوقية لا تخدم الأجندة الوطنية. أما إمكانية توفر هذه القوى على أرض الواقع فهي تحد أولي أعظم قدراً.

إن اهتداء النظام لسياسة راشدة وإن كان احتمالاً مستبعداً فإن بوادر كهذه ينبغي أن تدعم وتشجع بلا إفراط في الآمال، ودون إسقاط أو إهمال للخطوط السياسية الأخرى، فالمراهنة الكاملة على رشد نظام تجذرت ممارسته السياسية غير الراشدة ضرب من القفز في المجهول، والإعراض الكلي عن أي بوادر لحل سياسي في واقع متأزم كواقع البلاد ضرب من عدم الحكمة.

إن القوى الراشدة لابد أن تحكم خطوطها السياسية ولابد أن تفتح قناة دائمة مع الجماهير تتواصل عبرها وتتفاعل بها مخبرة عن مدى التقدم والتأخر في رشد النظام الطارح لمبادرة الإصلاح حماية لموقفها السياسي وضغطاً على النظام للمواصلة في سياسته الوليدة.

إن مهمة القوى الراشدة لن تكون في أعسر وأكثر تعقيداً من حال انهيار النظام السياسي في البلاد، فهل هي قوى منتظمة ذات قدرة لبدء كفاح مسلح مدعوم بتحالف دولي بخطة سياسية ضد حالة الفوضى هذه؟ أم أنها ستقف موقف العاجز.

خاتمة

من غير الخفي أن المشهد السياسي في السودان بدأ بالتحول منذ انتفاضة سبتمبر 2013م حتى بلغ ما نراه اليوم في الحراك الأخير، إن ملامح هذا المشهد يتوسطها بوضوح أن النظام قد فقد كثيراً من هيبته ورهبته لدى عامة شباب السودان، لقد انخرطت أعداد كبيرة منهم في الفعل السياسي على الأقل الثوري الداعي لإسقاط النظام.

إذاً فقدت الإنقاذ الكتلة الشبابية التي كانت محايدة أو صامتة أو على الأقل مكتفية بالتذمر دون التقدم خطوة نحو الفعل أو القول الصريح، هي تلك الكتلة نفسها التي كانت مستهدفة بخطاب الإنقاذ الذي بلغ ذروته في الاستنهاض للقتال في الجنوب، لقد انعطفت هذه الكتلة نحو الصف المعارض وصار النظام بالنسبة لها مجرد أمر واقع، فلا خطاب سياسي من قبلهم يستمع له أو يؤخذ على محمل الجد.

أما القوى السياسية التقليدية (ونقصد بها هنا أحزاب الأمة والاتحادي والشيوعي وحتى المؤتمر الشعبي) لم تعد تلبي طموحات هؤلاء الشباب كما هو معلوم وظلت الشقة تتباعد يوماً بعد اليوم، فعجزها بات بائناً وضيقها بالطاقة الشبابية لا تخطئه عين، واليوم صار فساد وجور النظام أمراً محسوماً وثقافة عامة لدى الشعب كله، ناهيك عن انكشاف خضوعه لابتزاز القوى الإقليمية وتخبطه في جند العلاقات الخارجية غير عجزه الاقتصادي والحكومي.

ولكن وإن كان الوعي الجديد الذي بدا بالنمو في الفئة الشابة يمثل أملاً ومخرجاً من حالة الانغلاق، إلا أن الرؤى السياسية بعيدة المدى والتفصيلية ما زالت مفقودة لديه، فينبغي أن تصاحب الحالة الثورية والمبادئ الجذرية تفكير سياسي وواقعية في الرؤية والممارسة. هذه من أولويات الأجندة الإصلاحية الوطنية التي ينبغي النهوض بها.