المُقدمات و المقولات الأساسية

تمهيد

إن عمل الحركة الوطنية للبناء والتنمية هو في الأصل استجابة عامة مستمرة لهدي الدين والقيام بتعاليمه في كل حال مستطاع في الحياة العامة؛ وذلك بقيام فئة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر قائمة بأسس الدين من مبادئ الحق والعدل والحرية والكرامة والدعوة للفضائل، وهو في سبيل إعمار أرض السودان استجابة خاصة، تنهض فيها جماعة صادقة على استعداد لتحمل كلفة العمل، مما تجري عليه السنن من ابتلاء يقع أو تثبيط يبث أو تخريب يطرأ، أو تهمة قد توجه أو تعقيد وعسر في إنجاز الأهداف. وكذلك تستبشر بفتح الله المتجدد على الفئة الصابرة العاملة، تحت تعريف “حركة إصلاح اجتماعي” يأتي بيانها.

وباستصحاب المبادئ والأسس والأهداف الواردة في البيان التأسيسي للحركة الوطنية (راجع البيان التأسيسي)، نطرح في هذه الورقة المقدمات الضرورية الواجب تملكها للولوج في العمل الإصلاحي الذي تعتمده الحركة الوطنية، ثم المقولات الأساسية الشارحة لطبيعة الحركة وعملها، وتبين تحليلها للواقع وتحولاته.

المقدمات

  1. الفهم المتسق لآيات القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ، ثم إدراك تراث المسلمين واجتهاداتهم العلمية والعملية، إضافة للعلوم الاجتماعية والإنسانية على وجه العموم، مما له صلة وإفادة بإقامة وإصلاح الحياة العامة.
  2. دراسة وفهم الواقع السوداني (الاجتماعي والسياسي والتنموي والثقافي والحضاري) وتأطير تشكلاته وتحولاته عبر التاريخ، ثم تلمس سبل النهضة الشاملة الواجب القيام بها، والتوافق على رؤية تحليلية وتأسيسية للعمل فيه.
  3. الاستيعاب بصورة شاملة للمشكلات النظرية والعملية التي صاحبت العمل السياسي والاجتماعي والثقافي والتنموي في السودان، والذي تبدى في تجربة الأحزاب والتنظيمات السياسية السودانية، والحركات الخارجة على الحكومات المتعاقبة بالسلاح، سواء تجربتها في المعارضة المدنية والمسلحة أو السلطة السياسية.
  4. الاستيعاب بصورة شاملة للمشكلات النظرية والعملية التي صاحبت العمل الحركي الإسلامي في السودان، عبر دراسة تجربته على اختلافها في التأسيس، وفي الاستضعاف، وفي الانتشار والتمكين، لاسيما تجربة الحركة الإسلامية في السلطة وفي المعارضة وفي الإنتاج الفكري والثقافي والأدبي وسعيها الاجتماعي، استيعاب ضافٍ تُستصحب فيه تجارب الحركات الإسلامية في العالم ذات الأهمية.
  5. إدراك طبيعة الواقع الإقليمي والعالمي، والإحاطة بالنظم والمؤسسات والمعارف المهيمنة عليه.

المقولات

1. إن اختيار مسمى ومضمون “حركة” على غيره من صيغ التنظيم لاسيما “حزب”، نبع من وعينا بمقدار المشكلات الواجب العمل عليها في المجتمع والدولة السودانية.

إذ لدينا مواقف مبدئية من جملة التشكلات القائمة اليوم سواء في المجتمع، ومؤسسات الدولة، والدستور والقوانين، والأخلاق العامة، والثقافة والتعليم، والنظم المعرفية، وأنماط التدين وغير ذلك، تصدر هذه المواقف من رؤية معرفية وإيمانية تهدف للانتقال بالواقع السوداني من الحاضر إلى آفاق أخرى. ونرى أن هذا العمل لا يتأتى بشكل صحيح إلا من خلال حركة إصلاح اجتماعي شاملة، تنتظم فيها قوى المجتمع الفاعلة وذات القدرة على استيعاب وتنفيذ الانتقال.

وقد يشكل على المرء عند سماع مصطلح “حركة إصلاح اجتماعي”، أن مهام الحركة ليست ذات صلة بالعمل السياسي المباشر، وتنحصر في الإرشاد الاجتماعي في قضايا الأسرة والسلم والإغاثة وما هو على هذا المنوال، ونحن إذ لا نقلل من شأن هذه القضايا بل يقع بعضها في صميم مهام الحركة كقضايا الأسرة مثلاً، إلا أن المقصود بحركة الإصلاح الاجتماعي، أن منطلقها في عملية الإصلاح الشامل (السياسي، الاجتماعي، التنموي، المعرفي، الأخلاقي والقيمي) هو المجتمع، فالحركة على سبيل المثال لا تسعى لإصلاح سياسي فوقي من قبيل الفئة التي تتمكن في السلطة فتفرض رؤاها ومساراتها على المجتمع، إنما تذهب في طريق دراسة المجتمع ومعرفة أنماط السلط والنظم التي تناسبه، ثم تنتقي النموذج السياسي المعبر فعلاً عن مكامن الإصلاح، والذي يتناسب والسياق التاريخي للمجتمع، والقادر فعلاً على إزالة الأعطاب التي ألمت به، ثم تنشر الحركة حواراً ومجادلة بين الأفراد والجماعات إقناعاً وتجويداً للنموذج، بغية الوصول لحالة ارتقاء ثقافي ومعرفي، تجعل من النموذج المعني مطلباً شعبياً محاطاً بالوعي، ويحقق بإرادة الشعب عن طريق المسالك الشرعية المتفق عليها وطنياً. وعلى هذه الشاكلة تفعل الحركة في الرؤى التنموية، وفي مجال التعليم وغير ذلك.

والارتكاز على المجتمع يأتي من قبيل الحق في كونه سابق للدولة والحكومة ومصدر الشرعية ومنبع الإرادة للفعل، وهو صاحب القرار في اختيار التوجه العام الثقافي أو القيمي، أو في قبول السياسات المختلفة أو رفضها، ولقد فوتت الحكومات المختلفة على المجتمع السوداني الحق في اختيار توجهه العام الاجتماعي والثقافي ناهيك عن السياسي، ولذا تطرح الحركة مشروع الميثاق الاجتماعي وعدة مواثيق أخرى (راجع الميثاق الاجتماعي المطروح من قبل الحركة الوطنية للبناء والتنمية) الذي هو بمثابة وثيقة المدنية وبمرتبة العقد الاجتماعي لإقرار حق المجتمع الملزم هذا.

وقد يشكل على المرء كذلك عند تفاعل الحركة مع الشأن السياسي اليوم أنها حزب سياسي لا غير، وذلك هو نظر المتعجل الذي ما تمعن في أنشطة الحركة ومساراتها الإصلاحية. بهذا إن نجحت الحركة الوطنية في تحقيق ذلك تكون صدقت شعارها المرفوع “المجتمع أولاً”.

2. إن مشروع الحركة الوطنية يستند في الأساس على هدي وتعاليم الإسلام، وعلى كريم أخلاق السودانيين وعرفهم غير المتعارض مع جوهر الدين.

والحركة كسائر الأمة المسلمة ترى أن عماد الإسلام هو القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ، وتفهم الحركة القرآن باعتباره خطاباً معرفياً بجانب أنه أحكام وتشريعات وخطاب للأخلاق والقيم. وإذ تنفتح الحركة على مناهج وتجارب المسلمين في نهضة بلدانهم ومواجهتهم لتحديات العصر، كما تنفتح على تجارب الإنسان كافة؛ اكتساباً للمعرفة والخبرة وتواصلاً بالدعوة، فإنها ترى في القرآن عماداً للمناهج والتفكير، وهي تفهم القرآن بشموليته، وتعتمد على بعده المعرفي المبثوث في خطابه، والمقصود بالخطاب المعرفي للقرآن أن القرآن يحوي نظاماً معرفياً شاملاً ينظم العلاقة بين ثلاثة عناصر: “الله” مركز هذا النظام ومصدر مشروعيته، و”الإنسان” المكلف من قبل الله، و”الطبيعة/المادة” المسخرة والمخلوقة من قبل الله، ويسلم هذا النظام أن الوارد من الله عز وجل هو بالغ الحكمة والرحمة للإنسان، وأن كلام الله عز وجل في مجمله أو في جزئياته لا يعطل ولا يؤخر إلا بإذنه المستقى من ذات الكلام، وإن كلامه لا يعلى عليه ولن يبلغ الإنسان مبلغ أن يأتي بأحسن منه، سواء مع تقدم الزمان أو تبدل المكان، وأن كلامه واجب النفاذ.

ويوضح هذا النظام طبيعة هذا الوجود ويستعرض سننه الحاكمة ويحدد نهاياته ومصيره، وهذا النظام يؤسس لتعقل في هذا الوجود موقر غير مصادم للمادة ولا خاضع لها بل يعمل فيها بمنحة التسخير، كما يوفر له السبل للتمييز بين الأخبار الواردة فيستبين الصحيح منها وما هو على غير ذلك، إضافة لجملة المناهج والنوازل التي قد تشكل على الإنسان.

ويدعم هذا النظام المعرفي شبكة من القيم المترابطة التي تؤسس لحياة بلا شطط في قيمة على أخرى، بل تنتظم على سلك يحدده القرآن بدقة، ويحوي هذا الخطاب المعرفي الأسس التي تقيم نظاماً لمجتمع متزن متحلي بأخلاقيات عمل راشدة، ومنتظم في إطار مرجعيات حكيمة تنظم العلاقات بين أفراده وفئاته، وتمنح الحقوق بالعدل بينهم، وتقيم القسط بين الفرد والجماعة.

وترى الحركة في آيات القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ المبينة له، مقدمات نظرية قابلة للتحقق العملي، وهي تعتمد في ذلك بطبيعة الحال على الإيمان بالكتاب، ولكنها كذلك تستدل بالتحقق التاريخي والواقعي لهذه المقدمات، إذ تنطلق الحركة حيناً من الإيمان لاكتساب المعرفة والحقيقة، وقد تنطلق حيناً آخر من استقراء الواقع لبلوغ الإيمان، ولا ترى في ذلك دوراً؛ إذ أن الأصل هو الإيمان والتسليم الكلي بالله وكتابه وقدرته وقيوميته واتساق الكون وخضوعه له، ثم يسعى التعقل في الجزئيات منطلقاً من الإيمان نحو الواقع ومن الواقع نحو الإيمان في تصديق متبادل.

وكما أسلفنا فإن التجربة والمعرفة الإنسانية الرشيدة مهما كان مصدرها الثقافي والحضاري، هي مصدر من مصادر الاستدلال والفهم للواقع، ولكن لا يستقيم ذلك إلا بحاكمية منهج الحركة (القرآن والسنة)، وإذ تقيم الحركة أصول منهجها المعرفي حاكماً على المعارف الأخرى، فهي لا تخشى الوقوع في فخ التلفيق المنهجي، فتستقي الأدلة والحجج والمقولات وتعايرها بالأصول فتقبل وترد على المنهج، وتتحسب لقهريات الواقع التي تدفع دفعاً نحو التلفيق، أو نحو المسلك النفعي المقوض للمبادئ والأصول.

3. إن مفهومنا للوطنية هو مفهوم خاص يعتمد على نظرتنا للمجتمع السوداني تاريخياً وحاضراً، فهذا المجتمع ما امتزجت دماؤه وتشابكت أطرافه محققاً وحدة على تنوعه وتعدده، إلا على أعين الإسلام وإمكاناته الثرّة.

فالسودانيون قوم مسلمون على غالبهم، وغير المسلم فيهم تآخى على ذات تعاليم الإسلام السواء فلم يعاديه أو يستنكره، ولم يأخذ السودانيون على عامتهم دينهم شططاً ولا تطرفوا فيه على غالبهم، إنما أخذوا بما فيه من لين وسماحة وتآخٍ ومروءة وإقدام، فنزل عليهم منزلاً تناسب وفطرتهم، وما كان لأمر أن يجمع السودانيين كما فعل الإسلام، وقد جمعهم على اختلاف سحنهم وأعراقهم غير مرة، فأقاموا أوطاناً ودولاً متميزة عن من حولهم، وقد استنهضهم غير مرة فانتفضوا وجاهدوا فحرروا أنفسهم، وقد أقام اللحمة بينهم على اختلاف عاداتهم وألسنهم، فصار لهم هوية ومعنى، فلا يكون السودان سوداناً ملؤه كريم الصفات التي خبرها أهلها بغير الدين، ولا عزة لهم ولا رفعة إن هم نقضوا عهد الدين. فعندما نطلق على هذه الحركة مسمى الحركة الوطنية فإننا لا ننتسب إلى معنى الوطن المحصور بالحدود السياسية فحسب، إنما نلج لعمق هذا المعنى التاريخي في سياق هذا المجتمع.

ولا يتعارض مفهوم الوطن والدين على الأقل في السياق السوداني، إلا عندما يقع الشطط في الانتماء الذي يعارض قيم الدين وتعاليمه، ويخلق عنصرية تجاه الأوطان الأخرى، ويحبذا أن يزداد الانتماء العاطفي للوطن وهمة الدفاع عنه كلما اقترب أهله من مثال الدين، بل تكون الرابطة الوطنية لبنة صلبة من لبنات صرح الدين العظيم وهو يشد بعضه بعضاً، وملجأ آمناً يأوي إليه المتدينون عند الملمات. وكما كانت رابطة الأنصار التي بنيت على قبائل يثرب، والتي التحمت مع القرابة الرابطة للمهاجرين المكيين فأنشأت نواة الأمة المسلمة الأولى ذات الدولة، يكون كذلك تشييد بناء الوطن الراشد، وقد كان من أمر تلك النواة في عهدها الأول أنها ما عرفت مجتمعاً مسلماً خالٍ من غير المسلمين، بل استطاعت في إطار تعاليم الدين ذاته أن تستوعب غير المسلمين في رابطة وطن موحد.

وما وقع الاشتباه في معنى الوطن والوطنية إلا من قبيل تأثير الفكر اللاديني، الذي أوجد تعارضاً بين هذا وذاك، كما أوجد تعارضاً بين مفاهيم عديدة في الفكر عامة، خالقاً تضاداً ثنائياً نابعاً من ثقافة اللادينيين وحدهم. وهنا لا نتجاهل واقع الحال الذي يخبر بوجود أوطان ينافي تأسيسها مقاصد وتعاليم الدين، ولكن تلك الأمثلة على كثرتها ليست الطريق الأوحد لمفهوم الوطن.

4. هذه الحركة تسعى لتجربة إسلامية شاملة جديدة في العمل العام، إلا أنها لا تقطع مع التجارب السابقة في مجال ما بذلته خالصاً للدين وما أنجزته من أعمال صالحة، في حين لا تتوانى في اتقاء الفاسد من عملها، والبراء مما انحرفت به عن جادة الصراط المستقيم.

ولا تتردد الحركة من منطلق تمسكها بقول الحق في إقرار وقبول العمل الطيب المقدم، وإن توالت عليها الاتهامات بالانتساب لإحدى تلك التجارب، ولا تتردد في الإدانة والبراء من العمل الفاسد وإن تكاثرت عليها الاتهامات بالابتعاد عن جادة العمل الإسلامي أو التوالي مع الإسلاميين.

ومن جملة التجارب الماثلة بين يدي الواقع، تجربة نظام الإنقاذ الذي أقامته الجبهة القومية الإسلامية بتخطيط وجهد الحركة الإسلامية، فموقفنا من هذه التجربة هو أننا نؤيد ولوج الإسلام إلى الحياة العامة، ونثق بقدرته على التعاطي مع مشكلات المجتمع والدولة وصولاً للنهضة، وقد كان لقادة الإنقاذ جهد كبير في محاولة إنزال هذه المعاني، وقد اجتهدوا بادئ الأمر في الاستقلال بالقرار السياسي السوداني عن قوى الهيمنة العالمية، وبذلوا المساعي في تفجير طاقات البلاد باستغلال الموارد والحث على الإنتاج وإقامة مشاريع تنموية مقدرة، كما كان لهم إنجاز في مجال التعليم ونظمه، والرقي بالخدمات الصحية وبسطها في أرجاء الوطن، إضافة لحفظ الأمن، وإصلاح القوانين، والسعي لإقرار دستور دائم، كما امتدت الصلات بالإخوة في العالم العربي والإسلامي دعماً ونصرةً متبادلة. ونحن إذ نعدد هذا الجهد لا نغفل ما شابه من قصور أو خلل سواء في التصور أو التنفيذ، وهذا مما هو متوقع ارتكابه ومباح نقده.

إلا أن ذات التجربة ما لبثت أن انحدرت في درك بعيد من الفساد والاستبداد، إذ احتكر قادة الإنقاذ السلطة، وعرضوا بالمخالفين، وقمعوا أصحاب الرأي، واحتلوا الهيئات النقابية والاتحادات المعبرة عن إرادة فئات الشعب، وعاثوا فيها تزويراً إذا ما أقاموا انتخابات، وبطشوا بالفئة الشابة لاسيما طلاب الجامعات، واستخدموا في ذلك مجندين صالوا إرهاباً وتخريباً، وامتدت أيديهم مرتكبة الكبائر في القتل والتشريد في عامة من عارضهم، حتى استحال النظام لصورة أخرى من نظم الاستبداد التي عرفتها المنطقة، وقد استأثرت فئات من قادة الإنقاذ ومنسوبيها بالمال العام، وامتدت أيديهم إليه بالباطل، ولم يفرق هؤلاء بين حدود مال الدولة ومال التنظيم، فاغترفوا من الأول لإثراء الثاني، ولم تسلم الجماعات الدينية من محاولة العبث بها من قبل السلطة، لتجييشها ضد المعارضين، فاجتمع في تجربة الإنقاذ الاستبداد السياسي والفساد المالي والعبث بهيبة أهل الدين، وقد قمع نظام الإنقاذ كثيراً من المطالبات الحقوقية في أقاليم السودان، وكانت قاصمة الظهر الكارثة التي حلت بإقليم دارفور.

إننا في الحركة الوطنية نرى أن أسباب هذا الانحدار في تجربة الإنقاذ مرده للآتي:

  1. هيمنة السياسي والأمني (الشأن والفرد) على هوية الحركة وتوغله في كل شؤونها وتصريفه لمجهوداتها المختلفة من أجل تضخيم شأنه الخاص وتحقيق رؤاه العاجلة، واعتبار السياسة المدخل الرئيس للشأن الإصلاحي الإسلامي قاطبة، دون الشأن الثقافي والاجتماعي. فأدى الأمر إلى انغلاق الممارسة السياسية والتصورات الإسلامية في السعي لاكتساب السلطة السياسية والهيمنة عليها، واعتبار أن المكسب الأعظم هو تولي أمر الشأن العام، عنده تكون الحركة قد ظفرت بجائزة مساعيها، وبالمقابل اعتبار أن الإبعاد أو الابتعاد عن السلطة هو خيبة في ذاته، ومن ثم يكون جل السعي السياسي في كيفية استعادتها مرة أخرى.
  2. ضعف حضور التصورات والمناهج الإسلامية الرشيدة في مسألة الحكم، نظراً للانقطاع التاريخي عن الحكم الراشد، ومن ثم الفقر الاجتهادي المعاصر في الشأن العام، وهشاشة حضور المناهج والمعارف المرتبطة بعلم الاجتماع والاقتصاد والتنمية والحوكمة، وضعف الاستهداء بتجارب الدول والشعوب على طريق النهضة، وأضف لما ذكرنا آنفاً من تغول العنصر السياسي الباحث عن المكسب العاجل والأمني الذي نزع نحو البطش، الأمر الذي أدى لانزواء العنصر ذو الصلة بالفكر والثقافة والاجتهاد.
  3. ملء الفراغ الاجتهادي السياسي والتنموي بالأطروحات النابعة من الرؤى الغربية اللادينية، فهيمنت المسالك الصراعية والنفعية والآنية على عمل السياسي ومفهومه، وبرز التناقض بين العمل الإسلامي المتوقع والمسلك المنظور، كما ساد التلفيق النظري في السياسات لاسيما المتعلقة بالتنمية.
  4. استغلال العاطفة الإسلامية لدى عموم الشعب السوداني، في تدعيم أركان النظام السياسي وحماية مصالح أفراده فحسب لا الدعوة الصادقة لقيم الدين، فتحولت العلاقة بين نظام الإنقاذ والمجتمع من علاقة التناصر في بداية العهد إلى الاستغلال ثم العداء والتنافر في آخره، فلم يعد على الغالب للإنقاذ قدوات تحتذى أو رموز توقر.
  5. تطاول الاستئثار بالسلطة دون وعي بالتغيرات التي اعترت المجتمع السوداني والعالم، والفشل في إصلاح نظام الحكم وإفساح المجال نحو المشاركة الفعلية في السلطة، استقطاباً للقوى السياسية أو الشباب أو عامة المجتمع، والإخفاق في صنع سياسة خارجية تحفظ للسودان بعضاً من مصالحه الاستراتيجية أو كرامته كدولة، أو تخفف الحصار الاقتصادي المضروب حوله.
  6. تغير مرجعيات التنظيم الحاكم، وتنافر الولاءات داخله نظراً لاهتراء المشروع الجامع، وبروز جيل من منسوبي التنظيم درجوا على الاستبداد والإفساد والقمع للمعارضين، واستقوا من قادته ضعف الإيمان بقيم الحرية والشورى والتعددية.

وللمرء أن يتساءل، أبعد هذا الانحدار الذي غشي تجربة الإنقاذ، أترابط جماعة أخرى ترنو إلى تجربة إسلامية تحقق إصلاحاً في أرض السودان؟

نجيب في الحركة الوطنية أن القيام بالدعوة والاجتهاد في إنزال هدى الدين على الوقائع والنوازل والسياقات الاجتماعية والسياسية والمعرفية والأخلاقية والمعاشية، واجب لا يسقط بخطأ من فئة أو زلل أو جرم يقع من أخرى، مهما بلغ ذلك الخطأ والزلل أو الجرم من عظم، ولقد خرج من بين يدي صدر الإسلام وما تلاه، حكام ادعوا حماية عرين الدين وجمع كلمة الأمة، وانتسب بعضهم إلى بيت النبي ﷺ تمتيناً للشرعية وكسباً للتأييد، فباتوا حكاماً فسدة قتلة، حولوا حكم الدين الرشيد إلى ملك عضوض يورث، فما اتهم العقلاء الدين في ذاته كيف يخرج من صلب المنتمين إليه أمثال هؤلاء، ولا استنكر العقلاء دعوات الإصلاح والاستجابة المتجددة لدعوة النبي ﷺ، التي قامت بها الأمة جيلاً بعد جيل، كيف لهم أن يسعوا في الإصلاح وقد فسد غيرهم.

ونجيب في الحركة الوطنية أن الانتساب لمثال الدين لا يعصم المرء من الزلل، ولا يكسبه شيئاً من العصمة أو الاستثناء، ولا يلحق المثال شيء من لوثات التجارب، فكل نفس بما كسبت رهينة، وإن الانتساب لمثال الدين شرف يناله المصلح إن هو التزم قدر الطاقة بمحددات المثال، وهو حجة على المخطئ حال خطئه وشتات أمره.

5. إن وحدة السودان على تعدديته الثقافية والدينية هي من ركائز مشروع الحركة الوطنية.

وتعتبر الحركة الوطنية أي طرح سياسي أو اجتماعي يوهن من هذه الرابطة الوطنية، هو ردة للوراء في طريق نهضة السودانيين، ذلك على الرغم من وعي الحركة الوطنية بالحيثيات السياسية الاستعمارية التي رسمت حدوداً قهرية للسودان كما هو عليه الآن، والتي قد تضعف شعور البعض بالانتماء أو تزعزع هيبة الوطنية، فإن الحركة بفهمها للإسلام الذي يرسي مفهوم الأخوة على الدين والقيم العابرة للحدود، وبنظرها في الوقائع التاريخية والامتدادات الثقافية، ووشائج القربى والتماثل، والمصالح الاستراتيجية التي تمتد لعمق القارة الإفريقية، إلى أبعد من حدود السودان الحالي مما يمكن تسميته بالسودان الكبير، ذلك ليس رباط بدافع العاطفة فحسب، إنما بدافع بناء الأمة القوية ذات الإيمان المشترك والعقلانية الموحدة، التي تستطيع مواجهة قوى الهيمنة والتجريف للشعوب وثقافاتها والناهبة لثرواتها، والتي من أهدافها التقسيم والبعثرة، إلى الحد الذي يمكنها من ابتلاع الأمم وإذابتها في مشروع مادي استهلاكي مختل القيم والرؤى، يمحو ذاكرة هذه الأمم ويخادعها في مصيرها، ويجعل من هذه الأمم والشعوب سوق لمنتجات قوى الهيمنة، ومكب لمخلفاتها، ومصدراً رخيصاً للموارد، فيستمر بذلك نظام السيد والعبد، والصانع والمستهلك.

فداعي الوحدة السودانية ما ينازعه هو الغضب والجهل والغرض العنصري والتآمر الخبيث، وما يؤيده هو الدين والتعقل والقيم والمصير المشترك والمصلحة المادية.

وقد يتساءل المرء، أليس في ظل الوحدة السياسية استعرت الحروب في أرجاء الوطن وألم به الفقر وشتات الرأي؟

نجيب في الحركة الوطنية أن ما ألم بالسودان من حروب لم يكن مرده بالضرورة للتعددية الثقافية والعرقية، إنما ما أدى لذلك هو قصور النخب وضعف الرؤى وضيق الأفق والأثرة لدى القوى التي سيطرت على مقاليد الأمور السياسية، والتي عملت على تغييب المجتمع وعياً وحجراً عن أداء دوره، لم يستطع هؤلاء فهم معادلة المجتمع أولاً أو لم يرغبوا في ذلك، تلك التي تقوم على الطرح الثقافي السابق للسياسي، وعلى الحوار الاجتماعي الجاد المستمر لتشكيل الكتلة الجماهيرية ذات الفعل الرشيد، استمر هؤلاء في إدارة دولة ما صنع مؤسساتها السودانيون، ولم ينتموا لها حق الانتماء، ولم يسبقها أو يلحق بها العهد والميثاق الاجتماعي الضروري الذي تنبثق منه الدولة ونظامها ومؤسساتها، ثم أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يحققوا الحد الأدنى من التعايش على الأقل بين مجتمعهم أو فئتهم المحدودة، فصارت سيرة الحكم في السودان مرتعاً للمؤامرات والانقلابات والخيانة، والحكم في ذاته غنيمة حرب، فكيف لهؤلاء بما فيهم من مساوئ أن يستوعبوا التعددية الثقافية والاجتماعية، وأن يرسموا خطاً وطنياً لهذه المكونات تجعل من هذه التعددية مصدر قوة وإلهام، وأن يصنعوا على تواضعهم المعرفي مشروعاً تنموياً يسد رمق الشعب وينهض به؟

إن صنع اللحمة الوطنية الجامعة للسودانيين على تعدد ثقافاتهم لا ينبغي أن يكون طرحاً سياسياً عاجلاً يخاطب العاطفة فحسب، بل لابد أن يقوم على دراسة وفهم للثقافات المتعددة والبحث فيها عن القواسم الثقافية المشتركة، وعلى طرح مشروع ثقافي جامع وجريء، يصلح سلبيات الثقافات المتعددة أو يحاصر أثرها، ثم يبني على إيجابياتها، ويدفع بالسودانيين حثيثاً نحو الوحدة والانتظام والإدارة والعمل الجاد، وتزكية ما ألفوه من كريم الأخلاق.

وقد يلقي المرء سؤالاً، كيف تكون الوحدة بين السودانيين على هدي الإسلام وقد علمنا أن فيهم من غير المسلمين؟

نجيب في الحركة الوطنية بأن الله قد هيأ المثال الأول للمجتمع المستقل المؤسس لدولة المدينة على تعددية دينية وثقافية، فقد اجتمع أهل الكتاب مع المسلمين في رابطة الأرض المؤسسة على “كتاب الموادعة بين المهاجرين والأنصار واليهود” أو ما اشتهر بوثيقة المدينة، وقد تقبلت تلك الدولة وفود النصارى التي مارست ديانتها بكامل الحرية في مسجد المسلمين، وضرب النبي ﷺ العهد على نفسه في حماية أنفسهم وملتهم وعبادتهم. ولم تكن تلك سياسة للنبي محمد ﷺ معزولة من الدين – حاشاه الله – بل كانت قائمة على تعاليم القرآن العظيم.

فعلى هدي القرآن العظيم، وسنة النبي ﷺ، ترى الحركة الوطنية أسس الوحدة مع غير المسلمين، تتمثل في دعوة غير المسلمين للإسلام بادئ ذي بدء، سواء أهل الكتاب وغيرهم، فالإسلام ليس ديناً لطائفة أو إثنية، بل هو دعوة للبشر أجمعين، فإن لم يتقبل المدعوون الدعوة، يطرح الإسلام “الكلمة السواء” على الجميع، قائمة على توحيد الله عز وجل لمن يعبده، والكف عن الإشراك به في شيء، سواء في العبادة أو السياسة، فلا نطلب العزة من غيره ولا الرزق من سواه، ثم لا نطيع بعضنا بعضاً في الفساد والظلم، وأن ننصر المظلوم وندفع الظالم، ولا ننقض العهود، ونجتهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقيم الأخلاق الكريمة الموقرة للأسرة، ونحرص على قول الحق والقيام بالقسط بين الناس كافة، وأن يكون أهل السودان أمة دون غيرهم يدافعون عن الأرض والعرض على العهد الذي بينهم.

إن الذين يظنون أن الإسلام لا يصلح أن يجمع أهل السودان على كلمة سواء استناداً على تجربة الإنقاذ في الحكم على سبيل المثال، يقعون في جملة أخطاء عظيمة، أولاً هم يساوون بين الإسلام والإنقاذيين، وقد رددوا دائماً أن الإسلام بريء من مفاسد الإنقاذيين، ثم أن لسان حالهم يلزمهم أن يرفضوا أي منهج جامع للسودانيين، فلا يوجد مثال نصب في السودان، أو منصوب في العالم لم يضل رواده عن تحقيق الوحدة والرضا بين الشعوب المتعددة دينياً أو ثقافياً، فكل مثال انحرافاته وأخطاؤه وهناته، فلو أخذ كل مثال بجريرة تجربة لتعطل الفكر والعمل.

إن الشعب السوداني لم يجد السانحة التي يستطيع عبرها التعبير دون ضغط أو مهدد أو مضلل عن إرادته في الوحدة أو غيرها، فلقد فتحت له أبواب ضيقة في الاختيار السياسي المشوه، ووقع تحت تضليل نخب بحثت عن مصالح الحكم والسيطرة، فتلك الحروب ليست حتمية، وهذه الفرقة ليست قدراً جبرياً، ولا يستقيم أن يتحمل مسؤولية هذه الخطوب الشعب السوداني، إلا في حال مداهنة للاستبداد أو انصرافه للشهوات. بالتالي نؤكد في الحركة الوطنية أن عناصر الوحدة يحققها المجتمع الحر صاحب الوعي بالتاريخ والحاضر والوشائج، وتحميها النخبة والقيادة الوطنية الحرة، التي تنتمي بالفعل إلى هذا المجتمع جذراً وقيم.

6. إننا في الحركة الوطنية لا نؤمن بالقطرية الحابسة والمانعة عن المجاهدة الأممية في سبيل إعلاء شأن الدين والذود عن كرامة الإنسان مسلم وغير مسلم.

وترى الحركة أنها جزء من جبهة ممانعة ومقاومة عالمية، تقف في وجه قوى الهيمنة والاستغلال، التي تعمل على تجريف قيم الشعوب والسطو على ثرواتها، فإن العمل على تحرير كافة أرض المسلمين من الغزاة والمستوطنين، والعمل على حرية الشعوب كلها والتمكين لإرادتها لهو جزء من هوية هذه الحركة ومطلبها.

7. الحركة الوطنية إذ تعتمد الإسلام منهجاً في العمل، لا تعد مؤسستها أو أفرادها أوصياء على الدين، ولا تخلع عليهم شيئاً من صواب دائم، ولا تزكيهم على الله.

فالحركة ليست سوى اجتهاد، وأفرادها ليسوا سوى مجتهدين، فليس لهم إلا الوعي بالدين الذي يشتركون فيه مع غيرهم، ولا يتميزون فيه إلا على الغافلين، وهم يرون أن أحكام وتعاليم وهدي الدين موضوعية واقعية لابد أن تقوم بها طائفة من المؤمنين، ويرون أن الدين هذا هو الهادي الأكبر للسودان دولةً ومجتمعاً، لذلك نهضوا في هذه المهمة التي يعلمون مدى عسرها ويعلمون أن أجرها مدخر ليوم المعاد إن شاء الله، وقد كان في وسعهم أن يسلكوا طريقاً آخر أقل مشقة وتعقيداً، لا تجابههم فيه قوى الهيمنة العالمية ولا الوكلاء الإقليميين، ولا يضطرون فيه وطنياً لتقديم الحجج الكثيفة، والمقولات الموضحة، والأعمال الصعبة دعوة لمشروعهم، وقد مضت منذ برهة من الزمن تجربة منسوبة للإسلاميين، إلا أن الإيمان بالدين والانتماء للوطن كان أكبر من ابتلاءات الواقع.

8. نفهم في الحركة السياسة والعمل الاجتماعي باعتباره بناء مسارات الإصلاح والعمران لا مجال للنفعيات والذاتيات والكسب بالباطل.

وقد توغلت الرؤية اللادينية المصورة للسياسة مجالاً للكسب والتنافس والصراع على غير أسس الأخلاق القويمة، في سائر العمل العام، وبات لا يتصور وجود للأخلاق القويمة في جنبات السياسة، ودرج أغلب المعارضون للحكومات المتعاقبة في السودان، على عدم الاعتراف بأي مزية أو حسنة لتلك الحكومات، ففعلها كله سوء في نظرهم ما داموا ليسوا فيها، ثم أن الحق كل الحق يقع في الجانب الذي يتخذوه، والباطل كله على الطرف الآخر، فيلتبس الأمر في غير موضع في التفريق بين معارضة الحزب أو الحكومة والضرر بالدولة نفسها والمجتمع، فإن من مسلك الحركة الوطنية الذي تجاهد في سبيله، القيام بالقسط في القول والعمل، مهما كانت تلك الثقافة اللادينية راسخة وممتدة.

9. تلخص الحركة الوطنية الأعطاب التي ألمت بالسودان الدولة والمجتمع في الآتي:

  1. الصراع السياسي: بين القوى السياسية التي بلغت بها العصبية الحزبية والصراع على السلطة، إلى قمع المنافس واعتباره عدواً يحضر ويقعد له كل مرصد وقد يقتل، لتغييبه الكامل عن المنافسة، وفي أهون الأحوال اعتماد المراوغات والمزايدات والخيانة والكذب وسيلة لتمكين الحزب وعناصره من السلطة، ولتشويه صورة الآخر وإظهاره كأنه مكمن كل الشر والأذى والفشل، ويشمل الصراع السياسي النخب والقادة وإن كانوا داخل الكيان ذاته، الذين غلبوا مصالحهم الشخصية والمناطقية والقبلية، على حساب الوطن وعلى حساب تطور مؤسساتهم السياسية.
  2. طبيعة العنصر السياسي العامل: ونصوب هنا نحو ضعف صلة العنصر السياسي العامل في الحياة السياسية في السودان، بالمعرفة اللازمة لنهضة الوطن وآليات وسبل تحقيق تلك النهضة، حيث أن مصادر هذا العنصر المعرفية شحيحة وإلمامه بتجارب الأمم متواضعة لحد بعيد، إذ نشأ في مناخ الصراع السياسي آنف الذكر، ولم يتدرب إلا على مهارات ذلك الصراع وأساليبه. ولهذا صلة بمفهوم العمل السياسي لدى هذا العنصر، إذ غاب عنه السياسة بمعناها الأولى، وهو تدبير شؤون العامة بالحكمة، والعمل على قضايا البناء والتنمية والنهضة فكانت هذه في مؤخرة الأولويات إن لم تكن معدومة. لذلك برز سوء الفهم والتعامل مع واقع السودان المعقد، سواء من ناحية نظم الحكم أو التنمية أو التعدد الثقافي أو السياسة الخارجية أو غير ذلك.
  3. غياب المجتمع: سواء الغياب من تلقاء المجتمع أو التغييب للمجتمع من قبل الساسة، فضعفت الرقابة الشعبية على الحكم وعلى الأداء السياسي للقوى السياسية، وتأخر الوعي السياسي لدى قوى المجتمع الممكن من استرداد الحقوق الاجتماعية والسياسية، كما غاب المجتمع عن حقه في المشاركة الفعلية في إدارة البلاد تشريعاً وقراراً، وذلك إما انصرافاً إلى شأن المعاش الضيق، أو جهلاً بالحقوق، أو ضعفاً في الهمة، أو سلباً من قبل الساسة المستبدين.
  4. الاستبداد السياسي: ونقصد به الاستبداد بنوعيه، سواء من العسكر المستولين على مقاليد الحكم أو المتغولين في أجهزته، أو الاستبداد المدني الذي تقوم به الأحزاب والقوى السياسية في إقصاء المجتمع من المشاركة الفعلية في القرار والتشريع، وفي إقصاء القوى السياسية الأخرى.
  5. التغريب: والذي تبدى كما أسلفنا الذكر في انحراف مفهوم السياسة والعمل السياسي نحو أخلاقيات المادة القائمة على منطق القوة والصراع، وكذلك التغريب المحمول بالاستعمار، الذي فرض فلسفة ونظام حكم يتنافى وطبيعة المجتمع السوداني وانحيازاته الثقافية والاجتماعية، وامتداده الجغرافي وجذره التاريخي وتطلعاته، والذي أقام نظماً للتعليم فرخت موالين له على الأقل في المستوى الثقافي، ونظماً للتنمية والاقتصاد دفعت بالسودان في فلك التغريب كتابع متلقٍ مستغل.
  6. انحسار الدين ولا ملاءمة أنماط التدين: فبفعل التغريب انحسر الدين عن المجال السياسي، وبضعف الاجتهاد الفكري انحسر عن نظم الحكم والإدارة، ويتفرع عن ذلك الحاجة لنمط تدين يتلاءم وطبيعة العمل في المجال العام، تدين يستطيع إيجاد صيغ للعمل السياسي بعيداً عن المنطق التغريبي، ويستطيع صناعة ومد العقلانية الدينية لإقامة فلسفة ونظم للحكم والسياسة وللتنمية وصولاً للنهضة.
  7. العدوان والحصار الخارجي: لقد تعرض السودان لأشكال مختلفة من العدوان والحصار الخارجي، أدى لحدوث انقطاع في تطور المجتمع وتراكم فعله وصولاً لصيغة وطنية مستقرة تعبر عن المجتمع وأصالته، حدث ذلك عبر حقب مختلفة أبرزها الغزو الإنجليزي الذي أسقط الدولة المهدية، والذي امتد استعماراً إنجليزياً مصرياً حتى النصف الأول من القرن العشرين، حيث نال السودان استقلاله الشكلي، ونعني بذلك أن الاستعمار قد جمع أسلحته وعسكره وإدارييه وغادر، ولكنه ظل باقياً بفرض طبيعة الدولة التي أراد، فكأنه ما زال جاثماً على صدر السودانيين، ثم من بعد ذلك بدأ الحصار والابتزاز والاستغلال للدولة السودانية عبر عقود، بلغ أوجه بالحصار الاقتصادي والسياسي في سنوات حكم الإنقاذ، وبعد ذهاب تلك الحقبة ما زال السودان يخضع لإملاءات وشروط القوى الاستعمارية في كيفية إدارة شأنه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وقد ظن البعض أن الحصار والعدوان مرتبط بمجموعة حاكمة محددة ذات عقيدة إسلامية، ولكن بالقراءة الأشمل والأعمق لتاريخ السودان الحديث يتضح أن دواعي الحصار والعدوان تستثار ما أن تتوفر إرادة وطنية تسعى للاستقلال بالقرار السياسي، والانفكاك عن الاستغلال الاقتصادي.

وقد تقلب البعض في مناهج التحليل تفسيراً للحاضر والتاريخ السوداني، فرأى بعضهم أن الصراع السياسي فحسب كافٍ لفهم الواقع، فهو المحرك للاقتصادي والمحدد للثقافي والمؤطر للاجتماعي، ثم مع قصور هذا الفهم الأحادي المتجاهل محركات الفعل السياسي وأساس الثقافة السياسية، برز المد الجدلي الاجتماعي، الذي أرجع الأمور إلى التكوينات والعلاقات الاجتماعية وتناقضاتها، وكثيراً ما ارتبط بتأطير مادي يعتمد طبيعة علاقات الإنتاج والبنى التحتية كمحدد للصراع الاجتماعي المتصور، وبالطبع لا يمكن إنكار هذا الفهم والتحليل بالجملة، إلا أنه لم يكن دائماً تفسيراً كافياً لسلوك المجتمع وطبيعة نظام الحكم في العالم وفي السودان على الوجه الأخص، فدائماً ما برزت قيم وتوجهات متجاوزة للشروط المادية وأحداث لم تخضع للشرط الطبقي، إلا أن أسوأ نتائج الانغلاق على التحليل الاجتماعي تلك التي ظنت أن صراعاً عرقياً أو جهوياً هو أساس العطب الوطني، ولم تنظر له كعرض لمرض آخر، فهؤلاء تجاهلوا صراع الموارد الداعي للفتنة الاجتماعية، والاستبداد السياسي وسوء الإدارة المستثير للغضب الاجتماعي، وتجاهلوا سنوات الوئام والإلفة والتلاحم الوطني التي ما استطاعت العنصرية وحدها تعكير صفوها، ولم يستطع هؤلاء فهم قدرة المجتمع على تجاوز التباينات العرقية والثقافية نحو الانتماء لعقيدة موحدة ومشروع وطني واحد، مما ذخر به التاريخ السياسي والاجتماعي للسودان.

إننا نقول بإمكانية وواقعية عبور الفرد والجماعة لحدود الانتماء السياسي الضيق، وأسوار التكوينات والقهريات الاجتماعية، ومكبلات الأسس المادية، نحو تبني رؤى عن العالم والقيم، والانخراط في قضايا منفكة عن مناهج التحليل التقليدية، وإن هذه الانتماءات كان لها تأثير كبير على مجريات الأحداث، لا يقل عن تأثير العامل السياسي أو الاجتماعي أو المادي، فالأجدر بالتعقل السوداني الانفتاح نحو تفسيرات أكثر شمولية للوقائع، والبعد عن النظرات الأحادية المتعصبة.

إننا نطرح هنا فهم الاستبداد والصراع السياسي باعتبار أن له جذر اجتماعي وثقافي، وأن له دوافع فردية وجماعية يغذيها البعد عن الدين والقيم العاصمة، ونفهم الصراع الجهوي والعرقي باعتبار أن له مستثيرات من الاستبداد وسوء الحكم والإدارة وضعف التزكية الدينية، وأن الإنسان قد يتردى وينخرط فيه حتى الانحطاط الكامل، ولكنه قد يتسامى ويتخلص منه فلا يرى في الآخر إلا أخاً، ونفهم نزوع الإنسان نحو المادة وتمحوره حولها بل وجعلها وثناً يعظم، ولكنا نفهم كذلك أن هذا النزوع المفرط ليس شرطاً قاهراً، بل هو انحراف خبره الإنسان عبر التاريخ، يُقوَّم بالإدراك الأعمق للوجود والتاريخ وسننه.

10. إن إنجازات الحركة الوطنية ستتمثل في المساهمة في إقامة الدين في الحياة العامة؛ وهذه الإقامة تنطوي إضافة لتزكية الأفكار والأخلاق نحو مثال الدين، على العمل في عمران البلاد لاسيما العمران المادي.

فلابد أن تؤسس هذه الحركة على توقير العلم والمعرفة والعمل بهما، وبناء الخطط للنهوض بنظام تعليمي مجود، واقتصاد إنتاجي عادل، ونظام صحي شامل للجميع، إضافة لتمتين مؤسسات الدولة وبناء قدراتها الإنتاجية والدفاعية، واستثارة المجتمع نحو الإنتاج العلمي والفني والأدبي.

وقد أهملت التيارات الإسلامية جانب العمران المادي أو انشغلت عنه، تارة بشدة الهجمة على الهوية والقيم الإسلامية من قبل التيارات اللادينية، فصار خطابها غالب الحال هوياتياً دفاعياً، وربما من تأثير النزعة الروحانية التي دفعت بالزهد عن عمران الدنيا لصالح عمران الآخرة، أو غير ذلك، وإننا نرى على الرغم من عدم انقطاع الهجمة على هوية المجتمع السوداني، فإن العمران المادي للدولة السودانية من تلقاء التيار الإسلامي، لهو أبلغ دليل على شمول هدي الإسلام ونجاعة أحكامه وتعاليمه، فمعركتنا بجانب تثبيت عرى الدين المعنوية، هي معركة الصحة والتعليم والمعاش والخدمات والبنية التحتية والتسلح، إضافة للدستور الدائم والقوانين الراسخة ومؤسسات الدولة الفعالة والمستدامة، وربما يقع العمران المادي اليوم في موقع الأولوية على غيره.

11. تجاهد الحركة الوطنية في سبيل التنمية المعاشية والخدمية الشاملة، وإلى تحقيق العدالة الاجتماعية التي تشمل المكون السوداني كله على تعدديته.

وفي هذا المجال تهدف الحركة إلى تحقيق جملة من أهداف:

  1. ضمان عدم الاستئثار بالمال وجعله دولة بين الأغنياء، وذلك بسن السياسات التي تحد من تراكم الثروة عند فئة اجتماعية على حساب أخرى، وتحد من مساحة الاستثمار والتملك المتاحة والقدرة على الاحتكار، وبالمقابل خلق الفرص التمويلية العادلة والمشجعة للأفراد والفئات الاجتماعية الضعيفة دون ضمانات مرهقة بغرض الاستثمار أو التملك.
  2. إيقاف التعاملات الربوية الماحقة للمال، والحد من فرص التكسب عبر المضاربات وجميع صيغ التكسب التي لا تتأتى عن طريق العمل والإنتاج.
  3. إعادة تعريف مفهوم العمل، وبذل جهد ثقافي كبير لإرساء مفاهيم أخلاقيات العمل الفعالة، القائمة على توقير العمل والانضباط والالتزام، والتوفير وإعادة الاستثمار، وقيم الزهد ومنافاة الاستهلاك المفرط.
  4. توفير الفرص العادلة للعمل والوظائف، وإقرار حد أدنى للأجور، وسن القوانين الحامية للعامل والموظف، والضامنة لحقوق المؤسسات.
  5. رفع القدرات المهنية والعلمية لدى المجتمع، بالرعاية الكافية للمعاهد الفنية، بجانب الجامعات والكليات، وتوجيه هذه المؤسسات العلمية لدعم رؤية تنموية شاملة، تمكن المجتمع الاستفادة من فرص التعليم في خدمة الاقتصاد والتنمية.
  6. فك الارتباط بين رأس المال والنشاط الاستثماري من جهة، والوظيفة السياسية والحكومية والتشريعية من جهة أخرى، وبين رأس المال والنشاط الاستثماري من جهة وبين مؤسسات الدولة إلا بالحد الذي يلقى قبولاً تشريعياً مناسباً يقدر بقدره، وذلك لضمان عدم انحياز السياسي ورجل الدولة لمصالح رجال الأعمال دون الفئات الاجتماعية الأخرى أو العكس، ولضمان عدم استغلال مناصب الدولة للتكسب غير المشروع، وعدم مزاحمة الدولة للمواطنين في الاستثمار والتكسب.
  7. ضمان استقلال الإرادة الوطنية عن المؤسسات المالية الدولية، وعدم خضوع هذه الإرادة لسيطرة أو مغريات أو إكراهات دول أو مؤسسات أو أفراد، والعمل على مقاومة القوة الناعمة الثقافية الدافعة نحو الاستهلاك المفرط، وفصل القيم عن المنتجات والأنشطة الاقتصادية.
  8. العمل على تمكين الرؤى التنموية ذات البعد التشاركي في الإنتاج والاستهلاك، والمحققة لمبدأ العدالة الاجتماعية إنماءً، بعيداً عن الشطط الفكري.

12. تناضل الحركة الوطنية في ديمومة مؤسسات الدولة ومشاريعها القومية واستقلاليتها.

بأن يرسو عند السودانيين جميعاً الاحترام والتقدير لما هو قومي، عاملين على استدامته مع تقلب الظروف والحيثيات السياسية والاجتماعية وتبدل الحكام، كبناء الخدمة المدنية ذات أخلاقيات العمل الرفيعة، البعيدة عن الصراعات السياسية والقائمة على مبدأي الكفاءة والنزاهة، وكابتعاد القوى السياسية عن الاستقطاب داخل المؤسسة العسكرية، وتحويلها ساحة للسباق والصراع والمغامرة السياسية، والاتفاق على استقرار المؤسسة وتسليحها وتدريب عناصرها بأعلى مستوى متاح، وضمان وحدتها وقوميتها وكفاءتها وضمان حيدتها، وكالاتفاق على سياسة خارجية ذات ركائز استراتيجية، تحقق قيم ومصالح السودانيين وتحفظ استقلالهم وعزتهم، وكالاتفاق على مشاريع قومية نهضوية في الطاقة والزراعة والصناعة والتقانة والخدمات وغير ذلك، مما تحافظ عليه الأمم مهما تبدل الحكام وتشكلت الحكومات.

13. هذه الحركة تجاهد في سبيل اتحاد وطني لكل السودانيين يجمع شتات الرأي، فيكون التوجه نحو ميثاق وطني يؤسس لضروريات قيام كيان الدولة والقيم العامة في الممارسة السياسية.

وكما أسلفنا، فلم تتأسس الدولة القائمة اليوم على فعل عقلاني تعاهدي من قبل الشعب الحر المختار، إنما بإرادات فوقية وملابسات وتوازنات سياسية، فتحت الطريق نحو الإكراه على توجهات فكرية وعقائدية من قبل القوى السياسية والعسكرية المختلفة، وصارت القضايا الكبرى كتلك المتعلقة بدين الدولة وعقيدتها وتوجهها الثقافي ووحدتها بيد صاحب الشوكة، من المتغلبين والمغامرين وأصحاب المشاريع الضيقة، والحق أن يتعاهد المجتمع على ميثاق اجتماعي شامل، يتوافق فيه على تلك القضايا، وكما أسلفنا يكون هذا بمثابة ميثاق المدينة الذي وضعه النبي ﷺ، وبرتبة العقد الاجتماعي المشهور في العلوم السياسية.

14. هذا العمل لا يستثني منه أحداً من عامة السودانيين الصالحين، وهو كذلك يحرص على أن ينتمي لقيادته وصفه من عرف عنه نظافة اليد وصلاح المسعى ويتقي من دأب على معوج المسلك وفاسد العمل.